إغلاق
إغلاق
البحث
أبحث عن:
وليد طافش من غزة : شاب قهر الإعاقة بالفن
الكاتب : موقع كل شي | الاربعاء   تاريخ الخبر :2016-01-20    ساعة النشر :22:49:00
لمن تمنعه الظروف من ممارسة عمله، نقول له أن الإعاقة لم تمنع البعض من الإبداع، كان الشاب وليد طافش مثلا. فلسطيني يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما، بدأت مشكلة الإعاقة مع  وليد طافش منذ اليوم الأول في حياته، بعد أن وضعته والدته مبتور اليد اليمنى، لكن هذا لم يمنعه من التعامل بشكل طبيعي طوال سنوات عمره، ولم تحل الإعاقة بينه وبين تحقيق حلمه، باحتراف عالم الرقص الشعبي والاستعراضي.
رأى وليد النور لأول مرة بالمملكة العربية السعودية حيث كانت عائلته تقيم هناك، حيث أمضى سنواته العشر الأولى هناك،  ليعود إلى ارض الوطن في العام 2000، وهنا خضع لأولى تدريباته على الفن الراقص الذي استهواه منذ أن كان كفلا صغيرا، ليفجر من خلاله كل مواهبه وقدراته.
وليد الذي وصل به طموحه إلى العمل كعضو في فرقة العنقاء للفنون كما وأصبح مدربا في نادي الفنون الاستعراضية التابع لذات الفرقة، يظهر أمام طلابه بكل عنفوان وشموخ، يقفز بخفة ورشاقة على نغمات اليرغول والناي، مخلفا الإعاقة وراء ظهره كأنها لم تكن.

" هل ينظرون إلي على أني إنسان غير عادي، هل أنا اقل منهم؟"
يقول وليد: " في بداية تشكل الوعي لدي كانت الإعاقة تسبب لي حرجا كبيرا بين الأطفال، كنت اشعر ان هناك شيئا ينقصني، لم أكن قد جربت الاحتكاك بهم ولكنه حاجز نفسي كان يحول بيني وبينهم، كنت أترجم كل نظرة منهم على أنها نظرة شفقة واستغراب وتعاطف وكنت اكره هذا الشعور كثيرا.
وكنت أتساءل بشكل طفولي عفوي" هل ينظرون إلي على أني إنسان غير عادي، هل أنا اقل منهم؟"، مما خلف لدي شعورا سلبيا رافقني لفترة ليست قصيرة ".
ويضيف: " عانيت فترة انطوائية على نفسي لا احتك كثيرا بالوسط المحيط بي سوى العائلة الصغيرة، ولكن دعم عائلتي كان له بالغ الأثر في كسر قيد هذا الانطواء، فلم يعاملوني يوما معاملة خاصة، بل كانوا يعاملونني كأي فردٍ في المنزل، وهذا كان يعزز المشاعر الإيجابية بداخلي، مما ساعدني على إعلان خروجي للعالم الخارجي وإنني قادر على تحقيق كل ما احلم به، وان ما أعانيه  لن تعيقني على متابعه دراستي وعملي.
وبالفعل هذا ما حدث بعدما أتقنت ما تدربت عليه طويلا وأصبحت احد المتخصصين في مجال التصميم الاستعراضي في قطاع غزة، بعدما قررت مواجهة نظرات المجتمع، ونجحت.
كانت بداية الخروج من أزمتي عام 2003 عندما شاركت في احد المخيمات الصيفية الذي كان بالصدفة عنوانه "دمج المعاق في المجتمع"، هناك استفدت كثيرا خصوصا حول فكرة الاندماج في المجتمع وإزالة كل الفروق الشخصية لتصبح عنصرا فاعلا فيه، مما اكسبني ثقة إضافية وساهم في تعزيز خطواتي نحو مواجهه التحديات".
الإيمان والرضى، كانت الخطوة الأولى بالنسبة لابن معسكر جباليا، شمال قطاع غزة، في تقبل واقعه والعمل على تطوير قدراته واثبات ذاته رغم ما يعانيه، فانطلق بإرادة تعلو السحاب وعزيمة لا تلين، وفي ذات المخيم بدأ وليد التدرب على فنون الرقص الشعبي " الدبكة" التي سحرته وسلبت لبه، واستحوذت على نفسه.

" الدبكة بالنسبة لي طريقه حياة، افرغ من خلالها كل طاقتي السليبة واستبدلها بأخرى ايجابية "
الطفل سريع التعلم لفت نظر معلمه من المرة الأولى، لكن المعلم تردد في ضمه إلى الفريق كونه يمتلك يد واحده فقط، غير أن هذا الهاجس تبدد بعدما لاحظ إصرارا كبيرا منه على الإبداع في الرقص وإقناع المدرب بقدراته الفنية المميزة.
ويتابع وليد حديثه بالقول: منذ تلك اللحظة حرصت على التدريب والمشاركة في كل الأنشطة التي لها علاقة بالدبكة الشعبية وفنون الاستعراض والفنون التعبيرية، فالتحقت بمركز العصرية الثقافي، وخضعت هناك  للتدريب على أيدي مدربين محليين وأجانب، مما ساهم بتطوير قدراتي  في الفنون التعبيرية.
" الدبكة بالنسبة لي طريقه حياة، افرغ من خلالها كل طاقتي السليبة واستبدلها بأخرى ايجابية تنعكس علي وعلى جميع من حولي، فهذا المجال الذي استطيع أن اعبر من خلاله دون كلمات وبشكل عميق يصل إلى كل القلوب، صغارا وكبارا، فقد قدّمت مئات العروض، أمام آلاف الناس، وبحمد الله اشعر أنّي أضفي جواً خاصاً في العروض، وأقدّم حباً للحياة وأملاً وتفاؤلاً لدى الجمهور.
ورغم معارضة الأهل في بداية المشوار، لاعتقادهم أن الأمر سيؤثر على دراستي، إلّا أنني بقيت مصراً على إكمال طريقي في التعرف على كل عناصر العمل الفني، والتعمق أكثر في الفنون الشعبية".
ويوضح وليد انه خلال دروسه للأطفال الصغار، يحاول تقديم كل ما لديه من قدرات فنية، وان يشكل لهم قدوة في تقديم المزيد من الإبداع، يتحرك أمامهم بشموخ يسعى إلى أن يكتسبوه منه.
ويشير خريج كلية التجارة قسم  "محاسبة انجليزي" من جامعة الأزهر بغزة،  إلى أن نظرة الناس تحولت من نظرة شفقة للشاب الفاقد لأحد يديه إلى نظرة فخر بما يقوم به بشكل مميز ولافت، مضيفا إلى انه لولا تشجيع الناس وإعجابهم طوال الوقت، لما استطاع الاستمرار، حيث كان يلمس في أعينهم تحفيزا منهم لمتابعة ما يقوم به.
وليد ومنذ الصغر يحاول أن يمارس كل عمل بنفسه دون الاعتماد على احد، غير انه يستذكر أمرا صغيرا كان يشعره بما لديه من عجز، وهو ربط الحذاء الخاص به وهو العمل الذي طالما بقي لا يستطيع انجازه بنفسه!، لكن هذا أيضا لم يقف أمامه فقد اخترع طريقة بسيطة ليتمكن من انجازه منفردا.

" العقلية والنفسية والبيئة المحيطة هي من يحبس المعاق داخل أسوار إعاقته "
ويؤكد وليد : " ليس هناك أي إعاقة في جسدي، ولا أتذكر أن يدي غير مكتملة سوى وأنا انظر إلى المرآة فقط، دون ذلك أنا شخص طبيعي لا ينقصني شيء بالمرة " ، موضحا "أن العقلية والنفسية والبيئة المحيطة هي من يحبس المعاق داخل أسوار إعاقته ويمنعه من الخروج منها والانعتاق إلى عالم حر يمارس فيه كل ما يستطيع مما يعزز خطواته".
مؤخرا قام وليد بتأسيس صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان " لا يوقفني جسد"، يهدف من خلالها إلى إبراز القوة الكامنة بداخل كل شخص بعيدا عن تركيبته الجسدية، وان الإعاقة لا تشكل عائقا أمام أي منا لمواصلة مشوار حياته والإبداع فيما يحبه، وممارسة أعماله وانجازها على خير ما يكون، مؤكدا أن الإعاقة الوحيدة التي يمكن لها أن تحول حياتنا هي إعاقة العقل فقط. ( عبد الله عمر - غزة )



تعليقات الزوار